مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

51

الواضح في علوم القرآن

يبتسم ، ثم قال له : « إني قد خيّرت ، قد قيل لي : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر لزدت عليها » . ثم صلّى عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه ، قال عمر : فعجبت لي ولجرأتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللّه ورسوله أعلم ، فو اللّه ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ . . . [ التوبة : 84 ] فما صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على منافق بعد حتى قبضه اللّه عزّ وجلّ « 1 » . وحين تخلّف نفر من المؤمنين الصادقين في غزوة تبوك ، وأقاموا بالمدينة ، ولم يجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لديهم عذرا ، هجرهم وقاطعهم ، حتى ضاقوا ذرعا بالحياة ، ثم نزل القرآن بقبول توبتهم ، فكان درسا في عدم التخلف عن الجهاد لا يمكن أن ينساه أو يتجاهله أي مسلم ، قال تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ التوبة : 117 - 118 ] « 2 » . 5 - الدلالة القاطعة على أن القرآن كلام اللّه وحده : لقد عرفت أن هذا القرآن نزل مفرقا على رسول اللّه في مدة ثلاثة وعشرين عاما ، تنزل منه الآية أو الآيات في فترات زمنية مختلفة ، ومع ذلك فإنك تجده من أوله إلى آخره محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب ، قويّ الاتصال ، آخذا بعضه

--> ( 1 ) رواه البخاري في التفسير ( 4394 ) و ( 4395 ) . ( 2 ) رواه البخاري في المغازي ( 4156 ) والتفسير ( 4399 - 4410 ) .